تحولات يزيد بن مُفَزِّغ الحميري

تحولات يزيد بن مُفَزِّغ الحميري
موقع البردوني - ترجمة رملية لأعراس الغبار

ديوان ترجمة رملية لأعراس الغبار >  تحولات يزيد بن مُفَزِّغ الحميري

تحولات يزيد بن مُفَزِّغ الحميري

تاريخية بطل القصيدة
ا- ولد حوالي عام 600م، كان اجرأ شعراء صدر الإسلام رغم ضعف شوكته القبلية؛ لأنه كان ينتمي إلى غمار اليمنيين لهذا كان يسمي نفسه في شعره بالرجل اليماني دون تحديد قبيلة بعينها، على عكس سواه من امثال محاصره (اعشی همدان).
2- كان على جرأته طيب الحضور، وعلى شدة حبه كان شديد البغض والخوف، تنازعه فتيان قریش لحسن عشرته، وتحاموه لحدة بادرته ووميله إلى الحرية.
3- اختاره (عبّاد بن زیاد) صاحبة إلى ولايته في (سجستان) على محبة وتوجس، وعندما شاهد الريح تلعببلحية (عبّاد) غلب عليه المزاج الشعري فقال في ذلك المنظر:
الا ليت اللحى كانت حشيشاً.. فنعلفها خيول المسلمينا
وكانت اول شرارة عداوة انطوى عليها تجاهل (عباد) لحقوق الشاعر من الصلة، فاستدان من التجار للإنفاق على جارينه اراكة) وعلى غلامه (برد) وكان يحبها أشد حب كما كانا يحبانه.
4- الب (عبّاد) على الشاعر الدائنين، فامر ببيع سلاحه وفرسه واثاث بينه ثم سجنه فيما تبقى حتى اضطره إلى بيع الجارية والغلام من التاجر (الأزجاني).
5- لجا (ابن المفرغ) إلى (یزید بن معاوية بدمشق كما تمادی هناك في هجو آل زياد، فطلبه (عبد الله بن زیاد) والي العراق، فاستجاب الخليفة يزيد شارطاً الا يلحق به من العذاب ما يؤدي إلى تلفه، وهناك م
هجا الشاعر البيتين (السفياني) و(الزيادي) فابتدع له (ابن زیاد) اشنع عقوبة إذ سقاه نبيذا مخلوطة بالمسهل وربطه إلى خنزير وكلب وطاف به شوارع البصرة، وبعد سجن ایام ارسله إلى اخيه (عباد) آمرا أن يمحو الشاعر بأظافره كل ما كتب في هجائهم على الجدران إلى أن وصل إلى (سجستان).
6- بعد سجنه هناك غضب له الشعب فافرج عنه وفي طريقه
إلى الشام كان ينشد بغلته المسماة (عدس) هذا الشعر:
عدس مالعباد عليك إمارةٌ..
أمني، وهذا تحملين طليقُ

7- اعنف هجائيات (یزید بن مفرغ) هي تلك النونية التي استهدف بها الزياديين والسفيانيين إذ شهر باستلحاق (معاوية)
(زياد بن سمية) اخأ من السفاح كما يقول:

ألا أبلغ معاوية بن صخر
مغلغلة مِن الرجل اليماني

أتغضب أن يُقال أبوك عفٌّ
وترضى أن يُقال أبوك زاني

وأقسم أن رحمك مِن زيادٍ
كرحم الفيل مِن ولد الأتانِ

وأشهد أنها ولدت (زياداً)
و(صخرٌ) من سميَّة غير دان

وعلى غرار هذه المقطوعة الشهيرة انبنت هذه القصيدة مؤرخة البطل نفسية وتحولية:

لماذا ناب عن سيفي لساني؟
ألي سيفٌ؟ أفي كفِّي بناني؟

ًأصيح الآن: هل في القلب صوتٌ
بحجم الحقد، أقوى مِن جَناني؟

أصيح: لكي أُمَمِّرَ أيَّ سجنٍ
لينفث جذوةً بعضُ اختزاني

(ألا ليت اللَّحى كانت حشيشاً
فأعلفها تناوي اضطغاني (

أعندي غير هذا الحرف ينوي
كما أنوي، يعاني ما أُعاني؟

أُريد أقوم، أعيا بانخذالي
أُريد البَوح، يعيا ترجماني

فأختلق المنى، وأخاف منها
وأشجى، ثم أخشى ما شجاني

لأن مكان قلبي غير قلبي
لأن سبيَّ أجدادي سباني

لأني لا أعي ما نوع ضعفي
على علمي بنوع مَن ابتلاني

* * *

ألي كفَّان؟ يبدو كنت يوماً
فصرت بلا يدين، بلا أماني

لأن “البصيرة” انتعَلت جبيني
وأعطت ذيل “خنزيرٍ” عِناني

سقتني السُّم، واجتَّرت وثاقي
وأرخَت فوق نهديها احتقاني

فكنت أرى الشوارع تقتفيني
وتسبقني – إلى السجن – المباني

وأسمع زفَّةَ، هل ذاك عرسي؟
أدَفني؟ أم سقوط مَن ازدراني؟

* * *

أتمشي في جَنازتها “قريشٌ”
وتزعم أنها قصدَت هواني؟

إلِي في ظلّ دولتها صِيانٌ
فتحلم أنها امتهنَت صِياني؟

أأخزاني الخليفة أم تدنَّى
لكي يفنى، وأعتنق التفاني؟

* * *

أمان الصمت أجدى يا قوافي؟
أأرضى حكم أولاد الزواني؟

أتعزفني سيوفٌ مًن حديدٍ
ولا “أستَلُّ سيفاً مِن أغاني؟

وهذا الشعر آخر ما تبقَّى
مِن الأحباب في زمن التشاني

* * *

بدت جلوي هِناتُ “بني زيادٍ”
وأدمَوا دونها الْمُقَل الرَّواني

فأغرتني القصيدة بالتَّحدي
وأغراها بهم أخفى المعاني

تغاضى العارفون، وثُرتُ وحدي
كفاني هتك ما حجبوا، كفاني

عن الخيل امتطوا دفء الجواري
غدا الفرسان أفراس القناني

فتى “مرجانةٍ” أضحى أميراً
(دعَوا جرّ الذيول على الغواني (

* * *

إذا لم تغضبوا مثلي لهذا
سيتلو أولَ المكروه ثاني

لأن الشرَّ أخصبَ مِن لحاكم
لأن العجز أوله التواني

فهذا العوسج الملعون ينمو
بأعينكم، وتنتحر المجاني

أقلتُ الآن شيئاً؟ هل أصاخوا؟
أمات الناس؟ أ أودى بياني؟

* * *

إذا صوتي أنا أم لون بُغضي؟
أفي جلدي سوى الرَّجُل اليماني؟

أُنادي: يا “يزيد” أخال “بُرداً”
يناديني – فأهتف: مَن دعاني؟

أكنت أنا الملبِّي والمنادي؟
وأين وأنا؟ أفتِّش، لا أراني

وأبحث عن يدي شجر العشايا
وعن وجهي الزوايا والأواني

وعن جسدي أنَقِّبُ لا أُلاقي
سوى مِزَق القميص الأصفهاني

* * *

أهذا السقف – يا جدران – رأسي؟
أهذا المشجب المحني كياني؟

يُقال: القبر أحنى مُستقرٍّ
فكيف لبست قبراً غير حاني؟

* * *

لأني متُّ آناً بعد آنٍ
أوَدّ اليوم قتلاً غير آني

أُحاول أن أُغيِّر أي شيءٍ
أمام القهر أمتحن أمتحاني

أُريد ولادةً أخرى، لموتٍ
له عبَقٌ، ولونٌ أرجواني

* * *

وهل أقوى وخيل “بني زيادٍ”
على صدري؟ وعُكَّازي حصاني

وكل بني أبي مثل الأعادي
فتّباً للأقاصي والأداني

* * *

(ألا أبلغ معاوية بن صخرٍ)
أتيتَ مُزامناً، ومضى زماني

“زيادٌ منك ندعوه “ابن حربٍ”
وقد ندعو: “سُميَّةَ أم هاني”

* * *

ويا “عبَّاد” أبحرَ “ذو نواسٍ”
وأبحرنا على الرمل الدخاني

قصدنا شاطئاً مِن غير بحرٍ
عن الأمواج، خوَّضنا المواني

* * *

ف ماذا أدَّعي؟ أُفرِغتُ حتى
مِن اسمي: “يا مفرِّغ” مَن نماني؟

أتدعوني – على المعتاد – يا ابني؟
هضمتَ هزيمتي، قل: يا جباني

أتَلمحني “مراديَّ” المحيَّا؟
أتدري الشمس أني “كوكباني”؟

أبوك أضاع – يا أبتِ – حمِاهُ
وأنت وحميرٌ ضيعتماني

* * *

لماذا لم تجالد أنت مثلي؟
أنا استوطنت في المنفى سِناني

يدل عليك – يولدي – جبينٌ
معينيٌّ، وصوتٌ زعفراني

ورثتَ ملامحي وفمي ورمحي
لماذا : لم ترث عنِّي طِعاني؟

“سجستان” التي شرختك: نصفاً
مراديّاً، ونصفاً “مَزرُباني”

فصرت مُرقَّعاً مِن ذا وهذا
أشد تمزقاً مِن طيلساني

متى أنساك “عبَّادٌ” “أزالاً”
أما ألهَتك غانيةٌ وغاني؟

* * *

لقد كانت “أراكة” عرش قلبي
بمغتَربي، و”بُرداً” صولجاني

فبعتهما برغمي، ويح نفسي
وويل للغريم “الأُرَّجاني)

* * *

أبي.. – أين اختفى؟ أرجوك مهلاً
أما هذا أبي؟ مَن ذا لحاني؟

أنا حاورت شيطاناً، ولكن
هنا الشيطان، مِن أحفاد (ماني (

ومَن شافهتُ سيفاً يعربيّاً
كأن لسانه رمحٌ “عُماني”

نعم: هذا أبي مِنِّي تَبدَّى
فأورَق مِن جذوري كلُّ فاني

* * *

“عَدس” لم تحملي مني طليقاً
زمان الغدر مهمومٌ بشاني

وصلت هنا: أكُلّ الأرض سجني
ومسحب جثّتي بعد انسجاني؟

فأية بقعةٍ تدعى بلادي؟
وخيطٌ مِن دمي أضحى مكاني

* * *

سأخلق موطناً يمتد مني
ويَدخُلني، يجدِّد عنفواني

أعادت صيغتي تلك الدواهي
عليها غضبتي، ولها امتناني

فكيف يُعيدني عِنَباً نضيراً
نبيذٌ قد تخثَّر في دِناني؟

* * *

أحسُّ – الليلة – الآفاق أزهى
أتوهمني؟ أمِ الوهم ارتداني؟

أحَرْ باوِيَّة حتى الليالي؟
أللأشباح جلدٌ أفعواني؟

ترى: ماذا اعترى صورَ المرائي؟
أراها غيرها: ماذا اعتراني؟

أتى الوقت المحال، أم استعارت
سوى ميقاتها هذي الثواني؟

لهذا الحلم وجهٌ، يحصبيٌّ
لذاك الطيف، إكليلٌ جُماني

* * *

عجيبُ لمح ذاك البرق، يبدو
يمانياً، أيكذبني عِياني؟

له أطياب هاتيك الروابي
له إيماض هاتيك المغاني

على عينيه أطيافٌ كحزني
أنامله – كأحلامي – قواني

أهذا البرقُ روحي طار مِنِّي
إلى وطني، ومِن عيني أتاني؟

أراني الآن رابيةً تُغنِّي
(ألا واليل دان الليل داني)

يغازل ناظري هجسُ المراعي
ويلبس قامتي شجو (السواني)

أتَدَّكُر (السعيدةُ) لو رأتني
بأني طفلها مهما دهاني؟

أظن عيونها عنِّي ستُغضي
وأضلعها تتوق إلى احتضاني

ستهمسُ: فيه رائحتي وهذا
– على شتفيه – خَطٌّ مِن لِباني

له جلدٌ ترابيٌّ وجلدٌ
مُدمَّىً فوق عظمٍ خيزُراني

* * *

فأدعو: يا (مذيخرة) ارقبيني
إليك البارق الصيفي هداني

إليك عبرتُ كُلّ ركام عصري
وبالمستقبل اخترت اقتراني

* * *

ستسأل: مَن أنا؟ مِن أي دَوحٍ؟
يريميٌّ، أبي خالي مَداني

إلى كل الأُناس أمُتُّ: أني
بكيليٌّ، حُديديٌّ، خُباني

* * *

مرايا الشمس: هل تجدين وجهي
كما يهوي صِباك الأقحواني؟

“يزيد” اليوم، غير “يزيد” أمسٍ
أتى الفادي مِن القِلق الأناني

فهَزِّي أعظمي، سيفاً. لواءً
ودميِّني، يزغرد: مهرجاني