عبدالله البردوني.. حادي المنعطفات .. الأستاذ عباس بيضون

رحل البردوني الشاعر الذي فاجأ العرب في يوم وهو يسخر في مهرجان أبي تمام من نفسه وعاصمته وبلده.كان وجهاً أعمى ولكن وجها بلا عينين، وربما خطر لنا أنه لم يكن أعمى لكنه ببساطة بلا عينين وإلا فيم كانت هذه القصائد وهذه المطولات والتواريخ، وهذا الشغف الجامح والحماسة الداخلية.

فيم استطاع البردوني أن يعيش عالمه وعصره بدون عوائق ولا أستار، لو كان يفتقد حقاً النظر؟ فيم تسنى له هذا التمام لو كان بحواس ناقصة؟

ورث البردوني بدون شك تراث الشعر اليمني وهو بالتأكيد عريق بقدر ما هو فاعل، فاليمن بلد لعبت النخبة المثقفة فيه أدواراً طالما ذبحتها العلاقات السائدة والبردوني شاعر المنعطف اليمني وما كان لشعراء المنعطف أن يكونوا شعراء فحسب، إذ الشاعر الذي يزال منشد الجميع وحادي القافلة ليس شأنه أن تكون مغنياً فقط إذ أنه شاعر الشدة والضيق وشاعر الأمل المغدور وشاعر النخبة المهجورة وشاعر الشعب المهان وهو أخيراً بدون تحفظ فارس، إذ ينبغي أن يرشق بحجر الكلمة أو مقلاع الكلمة الجبابرة، وأن يتهددهم وهو في سجونهم، وأن يضحك منهم وهو يساق من قلعة الى قلعة، وأن يهجوهم وهو تحت سيوفهم، إنه فارس الأمل لا المريض به، وفارس الكلمة التي ترتجز لا على متن الجواد ولكن في قرارة السجن.

من كان يرى البردوني يحسبه راجعا من قرون مضت، لكنه بلا عينيه كان بالتأكيد عند منعطف القرون، يمني عربي بدون فرق ولكنه عريق في يمانيته الى الحد الذي غدا به لسان اليمن وعلمها: شاعر جزل متين في آن معا. كأنما يذكر بسلف معجزة أخرى هو بشار بن برد، أو بأبي العتاهية، أو بشعراء الخوارج والشيعة المناضلين، سلس قوي بسيط يذكرك بالقدامى لكنك تشعر أنه على نحو ما ابن يومه ولحظته فهذا الشاعر بالتأكيد معاصر لليمن واليمن معاصر فيه إنه شعر اللحظة اليمنية. من هنا لا تحس أنه متنزل من الدواوين، ولا تشعر أنه معارضة للقدامى. ليس محاكاة فحسب ولا حنيناً إلى ماض مفارق فهو بحق ابن المدينة اليمنية والصحراء اليمنية والسهول والصخور اليمنية.

ليس شعر البردوني بهذا المعنى تمريناً على العمود ولكنه ابن “الواقع” اليمني -إذا كان لهذه الكلمة من معنى -من هنا كانت لشعره نضارة وقربى وألفة وماء ورواء لا تجد مثلها في عموديات الشعر الراهن. ناهيك عن أن هذا الشعر الذي هو ابن بداوة لم يعف عليها الزمن. بداوة الحاضر، تتحول في قراراته الى نقد البداوة ونقد المخيلة البدوية أي أنه فيما يتكلم لا يتورع عن أن يهجو نفسه “مليحة عاشقاها السل والجرب”.

يعلم عارفو البردوني أنه بلا عينيه هاتين لم يتنكر لشيء ولم يخف شيئا بسببٍ يجهله، لم يتنكر للمحدثين ولا الطليعيين ولا الرافضين ولم يحرجه هؤلاء ولا وجد فيهم تهديداً له أو لقاعدة ذهبية للشعر وغير الشعر قبل كل شيء لا عن ملاطفة ولكن عن علم، كما فوجئ محدثوه بإلمامه الواسع بتفاصيل وأسماء ويوميات للثقافة والشعر في أقطار العرب المختلفة لم يكن محنقاً ولا ساخطاً وهو يتابع مسار للشعر والثقافة فاته ولم يفته، كان راضياً مرضيًا رحباً فسيحاً قابلاً بالآخر حين استحال الشعر كله آخر والثقافة كلها أخرى، أليس هذا درساً رائعاً لأباء رائعين يبقون في منازلهم ومراتبهم وأعمارهم ولا يخرجون منها لاغتيال الأحقاد.

حكيماً وغاضبا ومتمردا عاش البردوني في شيخوخته، كما عاش في طفولته، وفي المرات النادرة التي التقيته فيها كان نسابة ومؤرخاً وسياسياً، ففي صدره اجتمع التاريخ اليمني برمته وفي داخله كانت اليمن الخصبة، وهو شاعرها ومثقفها، ومن غيره حادي المنعطفات؛ يعرف كيف يمثل بلداً لا زال تاريخه وحياته وثقافته على المنعطف.

صحيفة السفير – بيروت.