المقابلة الصحفية مع صحيفة (26سبتمبر)



المقابلة الصحفية مع صحيفة (26سبتمبر)

أجرى الحوار :  نشوان محمد السميري

نشرت قصة لهذا الحديث اليتيم لي مع الشاعر الراحل/ عبدالله البردوني في صحيفة “الشروق” التونسية بعد أيام قلائل من وفاته. وظننت حينها بأن نص الحديث مع البردوني لن ينشر قط خاصة بعد مرور عشر سنوات من إجرائه في تونس على هامش المؤتمر السابع عشر للشعراء والأدباء العرب المنعقد في ديسمبر 1990م. لكن هذا لم يحدث.. فبمجرد عودتي إلى صنعاء عثرت على مسودة الحديث كاملة ورأيت بعد قراءتها أنها أصبحت من جملة الإرث الفكري والأدبي للراحل البردوني تحدث فيها بلغة متأنقة عن الثقافة والمثقفين وعن جلد الأدباء وغيرها من الإشكاليات الأدبية والثقافية وحتى السياسية التي كانت مثارة في بداية التسعينات. ولعل الذكرى الأولى لرحيله تحسم ترددي في دفع الحديث للنشر مجدداً بناء على ما سبق طرحه وإليكم نص الحديث:
– يدور النقاش حول علاقة الثقافة بالسياسة أو العكس.. فما هي العلاقة برأي البردوني بين السياسة والثقافة؟
– ليس هناك سياسة بلا ثقافة وليس هناك ثقافة بدون تسييس أعلى من المباشرة لان السياسة ثقافة باعتبارها خلاصة نظريات وعصارة بحوث وقوانين، فلأن السياسة تقوم على قاعدة ثقافية فلأبد للمثقف من معارف سياسية عن كل نظريات الحكم وعن كل مذاهب الاقتصاد وعن كل مذاهب التحولات الاجتماعية، قد لايشترط في المثقف الدراية بسياسة التنفيذ لكنه مشروط كمثقف بالإلمام بقاعدة التنفيذ ومصادر إصدار القرار ذلك لأننا في عصر الموسوعات فيجب أن يكون المثقف موسوعياً كإنسان ومثقفاً كموسوعي.
– أزمة الثقافة التي يعاني منها مجتمعنا العربي اليوم هل هي أزمة عقل أم أزمة إبداع أم ماذا؟
– هي أزمة مثقفين وليست أزمة ثقافة لأن المثقفين يرددونها عن الساسة كما يتلقفونها بدون تحديد مكان الأزمة أو مكمنها، فمن كل فرع من فروع الثقافة تنزل عشرات المطبوعات قد تكون متفاوتة في النوع لكنها غير متفاوتة في جملة النتاج الثقافي فإذا كانت صدرت في هذا العام (20) مطبوعة جيدة في الشعر والرواية والقصة والدراسة والمسرح والأغنية فهذا كثير بالقياس إلى الطاقة الإبداعية في عنصر الثقافة لكن الثقافة لاتصنع بالطاقات الآلية وإنما هي نتاج العقل البشري، فلا بد أن تكون أقل غزارة من الملابس الجاهزة وكذلك القارىء الذي يريد أن يرى العناوين يستقل النتاج الثقافي لكن الذي يقرأ ويتمعن وربما يعيد القراءة فسوف يلاحظ أن الثقافة غنية العطاء وليس هناك ما يسمى أزمة، وإذا كان هناك شح في معطيات هذا العام فيمكن قراءة مطبوعات العام الماضي لأن القراءة الثقافية ليست نزهة على شاطىء ولا رؤية بستان وإنما هي دخول في أدغال الكلمة وفي مرمى الإشارة وفي عالم العبارة وبالأخص ثقافة اليوم التي أصبحت اللغة فيها أقل العلامات عليها.
– ما هو دور المثقف العربي حسب رأيك في الوقت الراهن في ظل ما يكتنف الأمة من تحديات؟
– كلمة دور ليست من الكلمات الدالة على العمل الجدي وإنما هي أدل على الألاعيب على التحرك المسرح الذي لا يتقمص شخصية جدية فالمثقف من حيث هو إنسان لايتجاوز همه هم الإنسان العادي إلا أن الدوائر الرسمية هي التي تحمل المثقف ما تريد أن تحمل عن نفسها وليست الثقافة حل مشاكل يومية أو فض خصومات ومقاومة خصومات فهذا أقل أدوات الثقافة، إذا أردنا علاج القائم فأهم أدواته غير الثقافة السياسة المباشرة التي ترخص الأسعار أو السياسة المباشرة التي تتبنى شن الحرب أو منعها، ذلك لان الأمور اليومية ليست من علاج الثقافة، قد تخطط ثقافة اليوم للأعوام القادمة وربما للقرن الآتي أما اليوميات بالأدوات اليومية عن تخطيط سبق اليوم وسبق وقائعه بمكاشفة احتمالها لان مكاشفة الذي لم يكتشف هي جهة الثقافة الرئوية التي تلبس السياسة وتقف على قاعدة الثقافة.
– في عصرنا العربي الحديث برز سؤال مهم يعني الكثير لمثقفينا خاصة في المرحلة الحالية.. هذا السؤال نوجهه لك: لماذا تكتب ولمن تكتب؟
– أكتب لأن عندي شيئاً أحسه يتفرد بمهمات لا ألاحظ سواها فيما كتب فأنا أكتب لأني أسمع شيئاً يقول اكتب وأحس شيئاً يكتبني قبل أن يشم رائحة الحبر فلا اكتب تطوعاً ولا ترفاً وإنما بدافع شيء يكتبني هو لكي أكتبه أنا ولكي يكون الهو أو الآخر هو الكاتب والمكتوب وبين الرؤية والمرئي فما دام هناك من يكتب عن داع يكتبه فهو يخلق كتاباً ويفجر ملكات الكتابة لأن أجود أنواع الكتابات هو الذي يحرك الملكات إلى القول لا الذي يحشو الرؤوس بالمقررات المفروغ منها..
أكتب للذي قالت لي الكتابة أكتبه لأن الحس بالآخر هو الذي تذيت في الأنا فأنا أكتب لهذا أحسه هجساً في الكتابة ويحسني خارجاً كجزء من داخله أي أني قلت عن صمته كما يقول نثيث الطبيعة هنا اخضرار وإنبات وهنا أنداء وظلال وشمس فلا شيء يقول غير ما في داخله ما تقول الريحانة أني من عنصر الطيب ويقول العرفج أني من الروائح السيئة وكل ينضح بما عنده عن إرادة وعن لا إرادة.. فأنى لهذا يريد ولا يحس ويكلف سواه أن يحس به وله.
– صرحت قبل أكثر من أثني عشرا عاماً أن الأدباء يستحقون الجلد وأن الأدب لم يكن له دور في أي عصر من العصور.. من هم الأدباء الذين قصدتهم ولماذا قلت بسلبية الأدب.. وهل مازلت تدعو إلى جلد الأدباء؟
– ليس القصد حرفياً وانما إيما إلى المعاناة التي يجب أن يعانيها الأديب لكي يحس غيره بمقدار حسه بذاته لأني لاقيت بعض الكتابات تشبه الترفيهات الجانبية ولم أجد الكتابة الضرورية التي يحس الناس الفاقة إليها فشعرت أن هناك أدباء من ورق ينتجون أوراقاً فبحثت في الأديب عن الإنسان المملوء بالناس والمعمور بخلجاتهم فأردت أن يعاني الأديب كما عانى أصحاب الشوامخ مثل: روسو وأميل زولا والمتنبي والمعري والشهر وردي وابن خلدون، فطموح المتنبي هو الذي أورده المهالك لكي ينجو كفارس ميدان الأدب وتذبذب ابن خلدون بين الطموح والزهد هو الذي جعل منه قلقاً يفسر قلق الناس وأسباب قيام الدول عوامل سقوطها لأنه كان يبحث عن عالم يغيره فوجد العالم الذي يفسره نتيجة معاناة تختلف عن معاناة المتنبي بين القرمطية وتاج الملك وبين حمل السيف ومدح السيوف الأخرى لكي يصل عن طريقها إلى السيف الذي يستبيح الدماء كما في فلسفة القوة عنده فلا بد للأديب من أي شكل من الضروري أن تختلف أشكال المعاناة لكي تختلف صورها فعندما دعوت لجلد الأدباء، دعوت أن يتغيروا لكي يغيروا لأنه لايغير إلا المتغير من الداخل عن فلسفة وعن تحرك من الواقع الذي لايستقر تدفقه.. ودعوة جلد الأدباء قائمة ما دام هناك الانسلاخ عن الكيف والتنصل عن لماذا لان الأديب جاء لكي يفرض لا لكي يقبل كل ما وفد وإنما يجب أن يرد كل مورد لكي ينتقي إذ لا يمكن اختيار النوع إلا من كثرة الأنواع.
– يشتد الجدل حول الحداثة والحداثيين.. فهل الحداثة تكمن في الشكل أم في المضمون؟ ثم ما حقيقة الصراع القائم بين الحداثيين والسلفيين في رأيك؟
– ليست الحداثة شكلاً ولا هي مضموناً وإنما رؤيا داخلية تقع على الجديد الخارج وتنصهر به كما ينصهر بها لان الرؤية الجديدة تجد المرأى الجديد بالضرورة فالثقافة هي رؤي وتجاوز دائم وهذا التجديد نجده في كل مجال كتابة التراث تحت رؤيا معاصرة جديدة إعادة تقويم الأشياء يغلف جدتها وكل ما ينبض ويشع تحت المنظور فهو جديد.. أما سؤالك عن الصراع (الجدل) بين الحداثيين والسلفيين فهو صراع أجيال يختلف باختلاف مركبات شخصية وباختلاف بيئات بيتية وثقافية ومع هذا فان السلفي لا يقدر أن يفر من تحت السماء ولا من فوق الأرض فانه في عصر لا بد ان يفكر فيه بأفكاره كما فكر أسلافه بمقتضى الشروط الموضوعية لتفكيره، لو عرف الجاحظ وابن المقفع فن المقالة اليوم لما أنكرها ولتمكن من كتابتها لأنه ما رأي شيئاً يثير كما أثارت كتبهم في عصرها لان الكتابة فن لغوي لابد ان يتجدد ويتطور حتى يختلف في كل عصر عن سابقه، كتاب التوحيدي يختلف عن كتاب الجاحظ وكتاب الجاحظ عن كتاب عبدالحميد الجعدي وكتاب الجعدي يختلف عن خطابات نهج البلاغة ونهج البلاغة يختلف عن كتابات قس بن ساعدة (وشيبه!) يختلف عن أكثم بن صيفي لو سمع أمرؤ القيس قول المتنبي:
على قلق كأن الريح تحتي     تقلبني يميناً أو شمالاً
لما أنكر هذا التشبيه لأنه ينتسب إلى أصل تشبيه في قوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله.
فالتطور لايخرج عن أصله وإنما يطوره منه حتى يكاد يختلف عنه ولا أحد ينكر هذا التطور في التوسع اللغوي في بعد اطراف التشبيه في بعد الماح الاستعارة في قيمة الكناية عن المكني عنه.
هناك مشكلة بين السلفي والحديث، لايعرف الحديث السلفية ولا يعرف السلفي الحداثة ولو كان تواصلاً ثقافياً لما أنكر كل منهما الآخر.. قد يمكن أن السلفي يعرف من السلفية ظواهرها الشكلية دون أن يكون محيطاً بما وراء الإشارة وبما في باطن العبارة وإلا لكان في مقدور كل مثقف ان يعرف الكناية في القرآن مثل قوله تعالى:”رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت”فإنه كني بهذا عن ربات البيوت فذكر الأهل العمومية لكي تعمم على الخصوص وهذا دائر في اقلام المعاصرين كما كان دائراً في أقلام القدماء، فالجهل هو أهم الفواصل وليس في الثقافة ذاتها لا المعاصرة والسلفية.
– الانتفاضة الفلسطينية دفعت بالمبدعين- إن لم نقل أجبرت بعضهم على المستوى العربي العالمي نحو التعبير عن نضال الشعب الفلسطيني شعراً ونثراً.. فهل عبر عنها البردوني وكيف؟
– كل شاعر قال فيها كلمته وكل كاتب كتب عنها مقالته لكن تظل الانتفاضة إبدع البديعات كلها وما تفجرت لكي يقال عنها بل لكي تقول هي هذه غايتي حققتها أو كدت أما ما يقال عنها اليوم فلا يتجاوز كونه تغطيه صحفية وأما ما سيقال عنها من داخلها فيمكن في ما سوف يتحقق في الفعل الذي هو أبلغ من القول الذي استنطق الفعل الهائج.
عندما تتحول الانتفاضة إلى تاريخ سوف تكون مصدر ملاحم وروايات ومسرحيات وقصائد أما ما يقال عنها فكمن يرسم الأمواج المتراكضة.
– أين موقع الأدب اليمني المعاصر بالنسبة للأدب العربي؟
– إنه في غمار تحركه قد يكون أقل اسماء ولكنه ينتج نفس النوع السائد من الأدب في اليمن نفس المدارس الأدبية التي في لبنان أو سوريا أو مصر بدليل أن المجموعات الشعرية اليمنية تقف إلى جانب مجموعات البياتي وادونيس وخليل حاوي، قد لا يوجد اختلاف في الجملة ولكن بعض الاختلاف في التفاصيل أو في الكم الذي لايمكن أن تعرفه إلا من خلال الكيف الكثير فبمقدار معرفة الكيف نعرف الكم الذي اخترت منه فلا كم بلا كيف ولاكيف بلا كم يتميز بعضه من بعض.
– للشعر مدارسه التي يتفرع إليها.. لو قدر للبردوني أن يصنف نفسه ضمن مدرسة أدبية معينة فأيها يختار؟
– اختار كل المدارس لأنها كلها مترافدة بعضها وبعضها متصل ببعض لأن المدارس وجهة عامة وليست سوراً مانعاً من الصلة بكل المدارس لان الأدب محكوم بفن ينتظم كل المدارس الرومانتيكية موصولة بالواقعية الجديدة والجديدة موصولة بالواقعية الاشتراكية وهذه المدارس الجديدة موصولة الجذور بالكلاسيكية فالمدارس مجرد وجه عام وليست لذاتها ولا بذاتها لان الجودة الأدبية سبقت التصنيف المدرسي وتحديد المذهب الأدبي فليست المدرسة إلا مجرد تقريب لا يصلح أن يكون تحديداً، تجد الواقعية الجديدة تحتاج إلى المباشرة بمقدار ما تحتاجه المباشرة إلى أقنعة شفيقة من غير الأقنعة الجديدة وكلها أواصر فنية تعمق الصلة بين المدارس سواء في الشعر أو فن النقد وسواء في الرواية أو الدراسة أو القصة أو المسرح لان كلها واقعة تحت مظلة اسمها فن أو اسمها ناظم مشترك بين كل أشكال الكلمة الفنية التي يختلف تصورها عن صورتها.
– كيف يقيم شاعر اليمن الكبير الأدب المغاربي عموماً والتونسي خصوصاً؟
– إن للأدب المغاربي خصوصية كخصوصية الأدب الأندلسي في القديم هو من الأدب العربي في جملته وهو يختلف عنه في بعض السمات وبعض الإيحاءات هذا في القصة والرواية أما في الشعر فلعل الأدب المغاربي تتلمذ على كوكبتين الأولى النهضوية ثم الرومانتيكية والثانية الواقعية الجديدة فان المتتبع يحس تأثير السياب وخليل حاوي في أغلب الشعر المغاربي وفي شعر المغرب بصفة خاصة لأن الشعر التونسي مختلف حداثته عن حداثة شعر المشرق العربي لان شعر المشرق العربي سبق من مطلع الخمسينات إلى صحوة الستينات على حين الحداثة لم تظهر في الشعر التونسي والجزائري إلا في مطلع السبعينات.