اللصوص في شعر عبدالله البردوني .. الدكتور شهاب غانم



اللصوص في شعر عبدالله البردوني .. الدكتور شهاب غانم

كان القرن العشرون لم يشأ أن يرحل إلاّ وقد أخذ معه كبار شعراء القصيدة البيتية أو ما تسمى بالعمودية، فرحل في أواخر القرن العشرين محمد مهدي الجواهري ونزار قباني ثم عبدالله البردوني يوم 03 أغسطس 9991. وإذا كان نزار قباني قد كتب قصيدة التفعيلة إلى جانب القصيدة البيتية وأجاد الشكلين معاً فإن الجواهري والبردوني أخلصا للشكل البيتي في كل نتاجهما الشعري طوال حياتهما وظل أنصار القصيدة البيتية والمتعصبون لها يشيرون إلى هذين الإسمين كنموذجين على مقدرة القصيدة البيتية على التعبير بكفاءة عن هموم العصر علماً بأن المتحمسين لقصيدة التفعيلة التي لعبت دوراً هاماً منذ أواخر الأربعينيات (وان كانت هناك تجارب من هذا الشكل لعلي أحمد باكثير منذ أواخر الثلاثينيات) كان  كثير منهم يشكك في مقدرة القصيدة البيتية على ذلك ثم جاء بعدهم أنصار ما يعرف بقصيدة النثر التي انتشرت في الثلث الأخير من القرن العشرين ليشككوا في مقدرة القصيدتين البيتية والتفعيلية معاً على مواكبه حاجات العصر في مجال التعبير الشعري.

فهل نجح البردوني حقاً في تطويع  القصيدة البيتية للتعبير عن خلجات قلبه وهموم شعبه وأمته؟ الشيء الأكيد هو أنه استطاع أن يطور أسلوباً خاصاً به في قصائده السياسية والاجتماعية بل حتى في قصائدة الذاتية بحيث يستطيع القارئ المطلع أن يميز قصائد البردوني من قصائد غيره من الشعراء حتى ولو لم تكن مذيلة باسمه.. وأحد خصائص ذلك الأسلوب روحه الفكاهية وسخريته الظريفة واللاذعة، خصوصاً في مواضيعه السياسية والاجتماعية.
وفي هذه المقالة نضرب مثلاً على ذلك بقصيدتين تناولتا موضوع اللص الذي قلَّما تنبه إليه أو كتب عنه الشعراء العرب الآخرون.. ولنتوقف أولاً عند قصيدة بعنوان “لص في منزل الشاعر” بتاريخ نوفمبر 6691م نشرت في ديوان “مدينة الغد” والقصيدة في شكل قصة طريفة تدلنا على الحس الفكاهي الكبير الذي كان يتحلى به البردوني ونلاحظ في القصيدة بساطة لغتها ولكن دون إسفاف فهي من السهل الممتنع:
 
شكراً دخلت بلا إثاره
وبلا طفور أو غراره
لما أغرت خلقت في رجليك
ضوضاء الإغارة
لم تسلب  الطين السكون
ولم ترع نوم الحجارة
كالطيف جئت بلا خطى
وبلا صدى وبلا إشارة
أرأيت هذا البيت قزما
لا يكلفك المهارة
فأتيته ترجوا الغنائم
وهو أعرى من مغاره
####
ماذا وجدت سوى الفراغ
وهرة تشتم فارة
ولهاث صعلوك الحروف
يصوغ من دمه العبارة
يطفي التوقد باللظى
ينسى المرارة بالمرارة
لم يبق في كوب الأسى
شيئاً حساه إلى القراره
###
ماذا أتلقى عند صعلوك البيوت
غنى الإمارة
يالص عفواً إن رجعت
بدون ربح أو خسارة
لم تلق إلاّ خيبة
ونسيت صندوق السجارة
شكراً أتنوي أن تشرفنا
بتكرار الزيارة
وقد سقنا القصيدة كاملة فهي ليست طويلة ثم إنها في شكل اقصوصة طريفة يفسدها البتر.. وهي تعرفنا بشكل سافر على روح البردوني الساخرة وأخيراً ففيها يعرفنا البردوني بوضوح كيف يرى نفسه: أنه (صعلوك الحروف) ومعروف أن البردوني أديب آثر أن يحيا مستقلاً معبراً عن وجهات نظره بكثير من الحرية.. وفي قصيدة “لص تحت الامطار” المؤرخة في سبتمبر 3791م والمنشورة في ديوان “السفر إلى الأيام الخضر” يرسم البردوني مرة أخرى حكاية لص بأسلوبه الفكاهي فالبردوني يكتب القصيدة على لسان هذا اللص الذي يبحث عن الفريسة المناسبة:
من أين أمر؟ هنا وكر
ملعون.. رادته ألعن
وهنا شباك يلحظني
شبح في وجهي يتمعن
طرب في ذا القصر العالي
أو عرس في هذا المسكن
ولماذا أحسد من يبدو
فرحاً من عيشته ممتن؟
لا.. لست لئيماً يؤسفني
أن يهنا غيري في مأمن
لكن مسرات الهاني
توحي للعاني أن يحزن
أيسارا يا “صنعاء” أمضي
أم انتهج الدرب الأيمن؟
ترى هل هذا لص عادي يخاطب صنعاء عن دربه وهو يمضي نحو فريسة.. أم أن اللص رمز لشخص أكبر  وأن هناك بعداً سياسياً عن معنى اليمين واليسار واختيار الدرب، ولعل البردوني يتعمد ذلك الغموض ويترك القارئ يختار المعنى الذي يناسبه.
فهنا اقطاعي دسم
وهنا اقطاعي أسمن
هذا ما أعتى حارسه
بل هذا حارسه أخشن
وهناك عجوز وارثة
تعطي لو عندي ما أرهن
هل أغشى منزلها؟ أغشى
فلعل فوائده أضمن
وهكذا يستعرض الفرائس المحتملة ثم يفكر في السطو على بنك ولكنه يراجع نفسه:
البنك مغالقه أخرى
تحتاج لصوصاً من لندن
ولاشك أن البردوني شاعر فنان ذو حس فكاهي ساخر وعميق.. ونكاد نستشعر أن البردوني يتعاطف مع ذلك اللص البائس تحت الأمطار الذي لايدري من أين ستكون وجبته المقبلة في ذلك الوضع الاجتماعي القاسي، أو أنه على الأقل يرثى لحال اللص، ربما كان هذا هو السبب الذي جعل البردوني يختتم القصيدة بذلك الشكل غير المتوقع حيث يقرر اللص في النهاية ألا يسرق أحداً ففجأة بدأ يحلم أن تحل مشاكله في الغد من تلقاء نفسها.. وعند تلك النقطة أو ذلك القرار يشعر اللص براحة نفسية وتنتهي القصيدة على هذه الصورة:
فلارجع، حسناً.. لا أدري
أرجوعي.. أم تيهي أغبن؟
سيهل غد.. وله طرق
أنقى.. ومتاعبه أهون
وبدأت أحس بزوغ فتى
غيري، من مزقي يتكون
 
*كان والدي الدكتور محمد عبده غانم رحمه الله أول أديب عربي يقترح استعمال كلمه بيتي بدلاً من عمودي وكان ذلك في مجلس بصنعاء صادف أن حضرته في أواخر السبعينيات من القرن الماضي وكان من ضمن الحضور الشاعر أ.د عبدالعزيز المقالح ود. عبدالكريم الارياني والشاعر محمد أنعم غالب والشاعر على حمود عفيف والشاعر صالح عباس ونخبة من مثقفي اليمن، ووضح والدي احتمال الخطأ في الاستعمال الشائع لصفة  العمودي في وصف الشعر الخليلي البيتي إذا أن الرزوقي كان قد حدد سبعة شروط للإلتزام بعمود الشعر الخليلي البيتي.
 
صحيفة 26سبتمبر